البيانات

النشاطات


التزويج القسري والعوامل المؤثرة على اتساع ظاهرة تزويج القاصرات السوريات



تاريخ النشر: 2017-08-28 01:21:00

عدد القراءات: 578


التزويج القسري
والعوامل المؤثرة على اتساع ظاهرة تزويج القاصرات السوريات


المحامية سحر حويجة

مقدمة :
إن التصدي لظاهرة تزويج القاصرات، على جانب كبير من الأهمية ، لأنها تهدد مستقبل أعداداً كبيرة من القاصرات اللواتي يقعن ضحية زواج لا إرادة لهن فيه، وتعتبر انتهاكاً صارخاً لأهم الاتفاقات الدولية التي تعنى بالحقوق : الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و اتفاقية حقوق الطفل الموقع عليها من أغلب الدول ومنها سوريا منذ عام 1989 وحقوق المرأة في أن.
ترتبط هذه الظاهرة ارتباطاً عميقاً بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية ، حيث أن حجم انتشارها يختلف تبعاً للبيئة والظروف المحيطة بالفتاة القاصر.

لمحة عامة حول انتشار ظاهرات زواج القاصرات السوريات:
بلغة الأرقام قبل الأحداث الدامية التي تشهدها سوريا، كانت نسبة تزويج القاصرات في سوريا تصل إلى نحو 7% من مجموع القاصرات السوريات. أخذت هذه النسبة بالارتفاع والزيادة سنة بعد أخرى مع اشتداد الصراع والعنف المسلح، حتى بلغت في عام 2012 ـ 15% . وازدادت إلى أكثر من 30% في عام 2015. ووفق إحصائيات صادرة عن وزارة العدل في سوريا، فإن ما نسبته 10 % من الزيجات في عام 2013 عقدت على قاصرات في المحاكم الشرعية في دمشق، وإن هذه النسبة تزيد كثيراً في مناطق الأرياف البعيدة عن العاصمة، وإن نسبة 60 % من الزيجات غير المسجلة في المحاكم عقدت على قاصرات.
تزداد نسبة تزويج القاصرات عند تجمعات النازحين و اللاجئين ، وفي تقرير أصدرته منظمة الأمم المتحدة جاء فيه: إن 70% من اللاجئين السوريين هم من النساء والأطفال. وأصدرت المنظمة تحذيرات عدة حول مسألة تزويج القاصرات السوريات في الأردن، وقالت المنظمة بلسان العديد من مسئوليها:أنها تشعر بالقلق بشأن الزواج المبكر، الذي "يستخدم كآلية للتأقلم مع الأوضاع". ويبلغ عدد الفتيات السوريات المسجلات في سجلات مفوضية اللاجئين العاملة في الأردن، واللواتي يعتبرن في دائرة الخطر ما نسبته 26.3% من عدد اللاجئين, ووفق المصدر نفسه تتباين نسبة تزويج القاصرات بين دولة وأخرى من دول اللجوء ، ففي الأردن هنالك 35% من مجموعات زيجات اللاجئات السوريات زواج مبكر (بحسب إحصائية قضائية في الأردن عن العام 2015)، بينما 32% من حالات الزواج بين اللاجئين في لبنان لفتيات تحت سن الثامنة عشر (وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ونسبة 25% نسبة زواج القاصرات السوريات في مصر).
أما في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام ، وسيطرت عليها المعارضة المسلحة، وبسبب الحصار الاقتصادي، و تعرض هذه المناطق للقصف، تعطلت الأعمال، وتوقفت المدارس أو دمرت، وازداد الفقر عند المدنيين، وكان من نتائج ذلك ازدياد ظاهرة تزويج القاصرات، لحاملي السلاح لقدرتهم على الإعالة والحماية في أن . هذه المناطق اعتمدت محاكم شرعية خاصة بها لتسجيل الزواج غير أن سجلات هذه المحاكم غير معترف بها من قبل النظام في حال تغيرت الأوضاع العسكرية وعادت هذه المناطق الى سلطة النظام ، حيث ستواجه العائلات بعقبات تسجيل الزواج وتسجيل الأطفال و ونتيجة المعارك، تحولت أعداداً كبيرة من هذه الزوجات الى أرامل وقد يتزوجن زواجاً أخر وينجبن أطفالاً جدد، مما يزيد المشكلة تعقيداً لما لها من تأثير على مستقبل الأطفال وتسجيلهم في المدارس .
وفي أماكن سيطرة القوى المتشددة حيث منعت المرأة من الخروج بدون محرم، وفرضت قيوداً كبيرة على لباسها، وعملها، وحركتها، حتى صار الزواج هو الحل الوحيد أمام الفتيات، وشكل الزواج المبكر جزء من التعبئة والنشاط الدعوي بالنسبة الى القوى المتشددة، و ما عرف في مناطق داعش باسم نكاح الجهاد، ونشير هنا الى كتيبة الخنساء في الرقة، التي تقوم بملاحقة النساء اللواتي يخالفن تعليمات وقوانين داعش، و التي اتسعت مهامها لتشمل تدريب النساء على العمليات القتالية ، وحمل السلاح في معسكرات خاصة، كما يقمن بتلقين النساء أصول الفكر الدعوي الشرعي والعمليات الانتحارية، قسماً كبيراً من أعضاء الخنساء نساء قدمن من خارج سوريا . ولم تكتفي داعش بالقاصرات المتواجدات تحت سلطتها، بل عملت على جلبهم إليها سواء قسراً عبر الخطف وتحت مسمى غنائم حرب تحت زريعة الكفر ونساء مناطق العدو، و تحويلهم الى سبايا، أغلب النساء الضحايا قاصرات، كما قامت داعش عبر نشاط دعوي مكثف عن طريق خبراء من التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي، باستخدام تقنيات الإعلام، في الترويج لعملياته وأفكاره ، حيث قام التنظيم بتجنيد الفتيات الأوروبيات، وإقناعهن بالسفر الى تركيا ومن ثم الى سوريا وعلى الرغم من خيبات الأمل التي صطدمن بها، على أنها ليست الحياة التي وعدن بها ، استطاعت داعش التأثير على أعداد من النساء الأوروبيات واستجلبتهم ووفقاً لدراسة صادرة عن معهد الحوار الاستراتيجي والمركز الدولي لدراسة التطرف في جامعة كينجر كوليد في لندن.. الذي يسلط الضوء على النساء اللواتي التحقن بداعش والدول التي آتوا منها، وتبرز بريطانيا أكثر دولة أوروبية انضمت اليها نساء الى داعش، تليها فرنسا ثم هولندا والسويد، بالنسبة للأعمار فتأتي الفتيات قي عمر الخامسة عشرة والسادسة عشرة في المركز الأول لجهة السفر والالتحاق بداعش وكان الزواج أحد غايات تلك الفتيات القادمات .

العوامل والأسباب التي تقف وراء ظاهرة التزويج المبكر :

أولاً : الأعراف والتقاليد:
ذات المضمون التمييزي بين الرجل والمرأة ، التي لا تتفق مع قيم العصر، وتقوم على توزيع الأدوار و تقسيم العمل بين المرأة والرجل ، على أن المرأة مهمتها الوحيدة في الحياة هي إنجاب الأطفال و أعمال المنزل وخدمة الزوج . لذلك نجد أن خوف الأهل يزداد كلما كبرت ابنتهم، أن لا يأتي نصيبها وتتزوج ، حيث ستبقى عالة عليهم طول العمر. وخوفهم من أي كلام يمس شرفها الذي يعتبرونه شرفهم، وحقيقة الأمر أن هذه الأعراف تقوم على منع النساء من الاختلاط بالجنس الآخر ولأي سبب كان سواء في التعليم أو في العمل، ومنعها من التعبير عن رغباتها وعواطفها و من اختيار شريك حياتها، كل ذلك يجعلهم يزوجوها من أول خاطب تحت عنوان السترة، الذي يخفي تحريم المرأة الاختلاط بالمجتمع ورفض حريتها .
عملت حياة النزوح واللجوء القسري على زغزغة هذه التقاليد بقوة الأمر الواقع، حيث فرضت على العائلات النازحة واللاجئة الاختلاط بعائلات عديدة أخرى، و في مكان ضيق، وفرضت العيش المشترك بينهم، سواء في مرا كز الإيواء، أو خيم اللجوء، التي تفصل أماكن النوم فيها والحمامات حواجز وهمية . وحتى النزوح و العيش عند الأقارب والمعارف له ضريبته. كل ذلك جعل الاختلاط أمراً لا مفر منه، وكان عدم تقبل اللاجئين والنازحين لهذا الوضع، شكل دافعاً لتدخل من العائلة أو من الشركاء في العيش، لتزويج القاصرات تحت عنوان السترة أو الحرام والحلال.

ثانياً: العنف ضد المرأة :
وفقاً للتعريف الوارد في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو": حيث ورد في نص المادة الأولى من هذه الاتفاقية:
على أن: "العنف الموجّه ضد المرأة بسبب كونها امرأة أو العنف الذي يمس المرأة على نحو جائر،. يشمل الأعمال التي تلحق بها ضرراً أو ألماً جسدياً أو عقلياً أو نفسياً أو جنسياً، والتهديد بهذه الأعمال، والإكراه، وسائر أشكال الحرمان من الحرية".
وعليه نجد أن تزويج القاصرات ما هو إلا عنفاً مركزاً ضد المرأة، يبدأ أولاً : بإجبارها على الزواج يترافق في كثير من الحالات، على استخدام العنف الجسدي حتى تقبل بالزواج، حيث تتعرض المرأة لعنف من العائلة نتيجة التمييز على أساس الجنس الجندر بين الأبناء الذكور والإناث، والتي تقضي بسيطرة ذكور العائلة على الإناث ، و تبدأ بالرقابة على تصرفاتهن، وتعليمهن مبدأ الطاعة باستخدام وسائل العنف اللفظي وباستخدام الضرب، والتدخل بتصرفاتهن والتحكم بحياتهن، و يستخدم الأهل سلطتهم على الإناث بإجبارهن على ترك المدرسة بغاية الزواج وبشكل قسري . كما يتم استخدام العنف من قبل الأهل لفرض تزويج القاصر من شخص يتقدم لها .
و من أخطر آثار هذا الزواج على الفتاة القاصر، التي تتصف بالعنف الحرمان العاطفي من الوالدين التي يحتاجها كل طفل وطفلة في مرحلة الطفولة. كما يتم حرماتها من حقها أن تعيش مرحلة الطفولة.
وبعد تزويجها تتعرض لمختلف ضروب العنف منها العنف النفسي، لأن مسؤولية الحياة الزوجية أكبر من قدرتها على التحمل، ينتج عن ذلك وفق دراسات نفسية، عملية ارتداد لمرحلة الطفولة في صورة أمراض نفسية مثل الهستيريا و والاكتئاب. حيث أن تزويج القاصرات تعني: تحميل القاصر فوق طاقتها من أعمال وأعباء الحمل وتربية الأطفال، وتحمل مشاق العمل المنزلي . كل ذلك يترافق مع ضروب من العنف اللفظي والجسدي من قبل الزوج وأهله حتى تقوم بهذه المهام، بما يرضيهم، هنا لابد من الإشارة إلا أن الزوجة القاصر في أغلب الحالات لن تنتقل الى بيت الزوجية المستقل، بل عليها أن تعيش في غرفة بمنزل مشترك مع عائلة زوجها، حيث تقوم الأم والأخوات وحتى السلايف الأكبر سناً على تعليمها القيام بمهام المنزل، من طبخ وتنظيف ثم تربية الأطفال، يترافق ذلك مع ضروب من العنف اللفظي والتدخل بحياتها مع زوجها، حتى أن الزوج يقوم في كثير من الأحيان خاصة إذا أخطأت على ضربها. من الصعب تصور قاصر متزوجة تعيش في بيت مستقل حتى أن الزوج لا يثق أن يتركها في البيت بمفردها، وهو غائب عن البيت . كما أن نظرة المجتمع الدونية اتجاه المرأة ، تقضي بأن المرأة مهما كبرت فهي بحاجة إلى رقابة.
لقد برزت بعد عمليات النزوح واللجوء، بعض أشكال العنف الخاصة في مخيمات اللجوء من أهمها: التحرش الجنسي الذي انتشر بشكل كبير ، كما انتشرت عصابات الجنس وفق تقارير كثيرة ، التي أخذت تحاصر النساء والفتيات اللاجئات وحصل أثنائها الكثير من حالات الاغتصاب والخطف، و قام أصحاب النفوذ في أماكن تواجد اللاجئين على استغلال النساء. في هذا السياق نشير إلى تقرير لمنظمة العفو الدولية تحت عنوان أريد مكانا أمناً ،عرضت فيه كاترين رمزي، الباحثة في شؤون النوع الاجتماعي بمنظمة العفو الدولية، أوضاع النساء السوريات اللاجئات في لبنان وتعرضهن لخطر استغلال أصحاب النفوذ، وأشارت الباحثة على أن استغلال النساء في لبنان، سببه النقص الكبير في التمويل الدولي اللازم للتصدي لأزمة اللاجئين، إضافة إلى القيود الصارمة التي تفرضها السلطات لبنانية، شكل ذلك مناخا يجعل اللاجئات عرضة للتحرش الجنسي والاستغلال، مع عدم قدرتهن على طلب الحماية من السلطات في الوقت نفسه.
النتيجة : إضافة إلى أشكال العنف المختلفة التي تتعرض لها المرأة على أساس التمييز بسبب الجنس في العائلة والمجتمع، غير أن الحرب ولدت مخاوف جديدة اتجاه النساء، حيث برزت قوة السلاح وقدرة حاملي السلاح من السيطرة على النساء بغاية الخطف أو الاغتصاب ، والخوف من الاغتصاب والخطف في ظل غياب الخدمات و سلطة الأمن . سواء قبل النزوح أو بعده ، كل ذلك شكل دوافع لتزويج القاصرات في زمن الحرب . كما برزت مخاوف العائلات اللاجئة على بناتهم، وكانت أسباباً، في زيادة تزويج القاصرات تحت مفهوم السترة و الحفاظ على الشرف، والحلال .

.
ثالثاً دور التعليم:
من العوامل المؤثرة على تزويج القاصرات التعليم، ومن المعروف أن التعليم الإلزامي أمراً يفرضه القانون السوري حتى إنهاء مرحلة التعليم الأساسي، أي حتى عمر 15 عام ، إلا أن حالات التسرب من المدرسة بلغت مستويات كبيرة في سوريا حتى قبل الأزمة، دون ضوابط أو مسائلة لأهل الطالبة أو الطالب وإن كان من الأسباب الأساسية للتسرب هو الفقر وعدم اهتمام الأهل وتشجيعهم لأطفالهم على الدراسة، غالباً ما يجري ذلك في البيئات الريفية والفقيرة وعند الأسر الكبيرة العدد، حيث يتوجه الأولاد الذكور لمساعدة آبائهم لتأمين قوت يومهم، أو مساعدتهم في الأعمال الزراعية، ولكن درجت العادات في هذه البيئة، على أن لا يسمح للفتاة حتى لو كانت متميزة في دراستها من متابعة الدراسة، لأنه لا داعي للتعلم أكثر من فك الخط ، أو يسمح لها بالتعليم حتى سن البلوغ، وبعدها على الفتاة أن تترك المدرسة، وتتعلم الأعمال المنزلية، في انتظار العريس، وعلى الأغلب يتم تزويج الفتاة قاصرأً. ولكن الحرب فرضت توقف التعليم في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، بسبب القصف الذي ألحق تخريباً وتدميراً في المدارس ، وخوفاً من الأهل على أولادهم دفعهم على تركهم المدارس، وبعد عملية اللجوء والنزوح ولأسباب مختلفة وخاصة انقطاع الطالب عن المدرسة لسنوات وعدم امتلاكه أوراق ثبوتية ، إضافة الى عدم توفر الإمكانيات المادية للأهل لإرسال أولادهم للمدارس ، وحاجة الأهل لمساعدة أبنائهم تم دفع الأولاد الذكور إلى العمل، والإناث للزواج للتخلص من أعبائهن المادية. نشير هنا إلى التقصير من قبل المنظمات الدولية المعنية باللاجئين والنازحين في تقديم الخدمات الأساسية لهم منها الصحة والتعليم ، التي ساهمت في الانقطاع عن الدراسة .
تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من نصف الأطفال السوريون لا يذهبون إلى المدارس، نتيجة ذلك أخطاراً كبيرة، ستنعكس على مستقبلهم، وعلى سوريا المستقبل منها: خطر الأمية، وعمالة الأطفال وزواج القاصرات. وهذا مؤشراً إلى أن أعداداً كبيرة من القاصرات تزوجن نتيجة تركهن المدرسة بسبب العنف المسلح .


رابعاً : المهر :
يمثل المهر رغم التفسيرات المختلفة له عقد شراء خدمات المرأة الجنسية، في مقابل مبلغاً من المال ينظر له البعض على أنه قيمة للمرأة ، حيث جرت العادة على أنه كلما كانت المرأة من نسب وحسب ومستوى اجتماعي أرقى زاد مهرها، ويزداد عادة مهر المرأة الجميلة، مع أن الحقيقة المهر ما هو إلا إهانة للمرأة وتكريس تبعيتها للرجل، وتعبيراً عن التمييز في الواقع والقانون بين المرأة والرجل ، وعندما تقبض المرأة مقدم مهرها، يحق للرجل وبحكم القانون أن يطلب متابعتها ، وتعتبر ناشزا إذا تركت بيته، لأي سبب كان بعد قبض مهرها .
أهمية المهر في قانون الأحوال الشخصية في سوريا : يشكل المهر الذي يقدمه الرجل للمرأة أحد شروط صحة الزواج قانونا، وفق منطوق المادة 53 من قانون الأحوال الشخصية السوري : حيث يوجب للزوجة المهر بمجرد العقد الصحيح، سواء تم تسمية المهر عند العقد أم لم يسم أو نفي أصلاً . و جاء في المادة 60 : أن المهر حق للزوجة ولا تبرأ ذمة الزوج منه إلا بدفعه إليها بالذات، إن كانت كاملة الأهلية، ما لم توكل بوثيقة العقد وكيلا خاصا بقبضه، وليس لأحد غير الأب أو الجد العصبي من الأولياء حق قبض مهر الفتاة القاصر، وعلى الرغم من أن القانون يعتبر المهر حق للزوجة، إلا أن أعرافاً بدوية وقروية تعتبره حق الولي يقبضه مقابل بيع ابنته، لكن وفق القانون في حال تزويج القاصرة : يكون من حق الولي قبض مهر الفتاة ، الولي هو " حصراً الأب أو الجد" . لكن في الواقع كثيراً ما يقبض الأخ مهر أخته القاصر بصفته ولي أمرها، في غياب الأب والجد. لذلك يتم استغلال وضع القاصر، من قبل الأهل الفقراء لتزويجها وقبض مهرها لتحسين وضعهم المعيشي. تحت مسمى الولاية في الزواج: بالتعريف هي العصبة بنفسه على ترتيب الإرث بشرط أن يكون محرماً. هذه الولاية تنتقص من حرية المرأة في اختيار شريك حياتها، و تساهم في تكريس النظرة الدونية للمرأة أنها أقل من الرجل، . وتشكل أحد العوامل في إكراه القاصر على الزواج.

لا بد أن قضية المهر لعبت دوراً كبيراً في تزويج القاصرات السوريات خاصة منهن اللاجئات. فقد تشكلت عند تجمعات اللاجئات في مخيم الزعتري في الأردن على سبيل المثال ما يسمى بسماسرة الزواج، في هذا السياق نورد ما جاء في تقرير نشره الكاتب ماهر الشوابكة من الأردن في جريدة الحياة ، حول زواج القاصرات في مخيم الزعتري: حيث لا يكلف الراغب في الزواج من لاجئة، سوى كتابة استمارة ودفع مبلغ من المال لهؤلاء السماسرة قبل الزواج، وتتم الصفقة ، وهي عبارة عن عملية بيع الفتاة الفقيرة لرجل ثري للتخلص من الفقر و البؤس، كما أن اغلب عقود الزواج التي تتم على قاصرات، تجري خارج المحكمة، ويكون مثل هذا الزواج قصير الأجل، وهو ليس سوى غطاء قانونياً للاستغلال الجنسي.
وقي تقرير آخر : تقول إحدى الوسيطات لتقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة UNCHR؛ بأن الأسعار تختلف من حالة لأخرى، فأحيانًا يطلب الرجل العربي من دول الخليج الفتاة السورية للمتعة وليس للزواج مُقابل المال، وإذا وافقت الفتاة يدفع الرجل من 100 - 200 دينار، أما إذا طلبها للزواج فيرتفع السعر ليكون ـ1000 – 1500 / دينار، وفي بعض الحالات يتزوجها ويُطلّقها بعد أسبوع ويعود للبحث عن فتاة أخرى ليتزوجها.
ويتولّى سماسرة الزواج المنتشرون داخل المخيم اختيار الفتيات الأجمل والأصغر لأثرياء، معظمهم متزوّج أو متقدّم في السن.
لذلك من الطبيعي أن يشكل المهر أحد العوامل في تزويج القاصرات عند اللاجئين الفقراء الذين يعيشون في مخيمات اللجوء و يتم قبضه من قبل ولي الأمر لتحسين ظروف معيشة العائلة.
نتيجة: في مناطق اللجوء بعيدا عن سلطة القانون السوري، حيث يكون الزوج في أغلب الحالات ليس من التابعية السورية، وبالتالي يتم الزواج وفق قانون الزوج، إن حالات زواج اللاجئات طالت عشرات الآلاف من السوريات، وسوف تنجب النساء السوريات المتزوجات من جنسيات عربية أو أجنبية أطفالاً، أعداداً كبيرة من هؤلاء الأطفال مهددين بانعدام الجنسية ، و في عدم قدرة أمهم على منحهم جنسيتها، وبالتالي تهديد مستقبل هؤلاء الأطفال، سببه قانون الجنسية السوري الذي يحرمها حق منح جنسيتها لأطفالها، هذه القضية تعتبر من القضايا الملحة التي يجب التركيز عليها والعمل على تعديل القوانين التمييزية بحق المرأة، قوانين متخلفة والمبررات التي يقدمها المشرع السوري لا تقوم على أساس، سوى قصور التشريع السوري، وجموده، وعجزه عن مواكبة العصر، وعدم رغبة النظام السوري في تعديل القوانين التمييزية التي تنتهك حقوق المرأة.
لم تزل الأم السورية ممنوعاً عليها منح جنسيتها لأطفالها وفق قانون الجنسية السوري، القائم على حق الدم المحصور بدم الرجل فقط، وبناء عليه تم التحفظ على المادة التاسعة من اتفاقية السيداو التي تنص على أن :
1 ـ تمنح الدول الأطراف المرأة حقوقاً مساوية لحقوق الرجل في اكتساب جنسيتها أو تغييرها أو الاحتفاظ بها. وتضمن بوجه خاص ألا يترتب على الزواج من أجنبي، أو على على تغيير الزوج لجنسيته أثناء الزواج، أن تتغير تلقائيا جنسية الزوجة، أو أن تصبح بلا جنسية، أو تفرض عليها جنسية الزوج.
2 ـ تمنح الدول الأطراف المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالهما.
خامساً :الفقر والتخلص من عبء القاصر و علاقته "بمفهوم النفقة في الواقع والقانون" : هذا المفهوم يرتبط بجانب منه بالتقاليد المبنية على تقسيم العمل بين الرجل والمرأة ، حيث يمنع على المرأة العمل خارج المنزل، وأن نفقتها تقع على كاهل عائلتها مهما بلغت من العمر ، ثم تنتقل هذه المهمة إلى الزوج، لذلك كثيرا ما يلجأ الأهل وخاصة الفقراء منهم إلى تزويج بناتهم القاصرات، للتخلص من أعبائهن المادية.
وفي قانون الأحوال الشخصية السوري تعتبر النفقة حق من حقوق الزوجة : وفق المادة 71: تجب النفقة للزوجة على زوجها بمجرد عقد الزواج الصحيح ، النفقة تشمل الطعام والكسوة والتطبيب والسكن، ولو كانت مقيمة ببيت أهلها إلا إذا طالبها زوجها بالنقلة وامتنعت بغير حق أي في حالة عدم وجود مسكن شرعي، أو حالة عدم دفع المهر. كما ورد في المادة 73 : يسقط حق المرأة في النفقة ، إذا عملت خارج المنزل دون إذن زوجها.
النتيجة : موضوع المهر والنفقة عاملان هامان على زيادة تزويج القاصرات خاصة في ظروف اللجوء والتشرد والفقر والبؤس الذي يعاني منه اللاجئون والنازحون السوريون هذا يدفع الأب أو حتى في غيابه، إلى الإقدام على قبول تزويج القاصرات تحت ضروب من الضغط والإكراه أهمها: الحاجة للمال والتخلص من عبئهن المالي بالدرجة الأولى، فيبيعونها مقابل زواج سمّي «شرعياً" أملاً في الخلاص من حياة البؤس، وخيم اللجوء، وطمعاً في حماية لها ولعائلتها من قبل زوج مقتدر في الغربة القسرية وأماكن اللجوء.


سادساً :عدم تحديد سن للزواج:
بسبب الفتاوى الدينية: التي تدعو إلى تزويج القاصرات وتبرره وتعطيه غطاء شرعياً من وحي الشريعة الإسلامية، على أساس الاقتداء بزواج الرسول «ص» من السيدة عائشة، إضافة إلى أن حجج الفقهاء في رفض تحديد سن الزواج، تستند إلى أنه وعلى مر التاريخ الإسلامي، لم يتم تحديد سناً للزواج، مع العلم أن الشرع لم يجز عقد القران على فتاة غير صالحة للزواج، مع إن الفتاة القاصر غير مهيأة لا نفسياً ولا جسدياً ولا عقلياً للزواج.
سن الزواج في قانون الأحوال الشخصية السوري:
قانون الأحوال الشخصية السوري الذي مصدره الشريعة الإسلامية، وسمي القانون الشرعي، يتفق مع التفسير الفقهي ويقوي ويدعم التقاليد والأعراف البالية، ويشجع في مواده على تزويج القاصرات : وفق ما جاء في المادة 16 منه : تكتمل أهلية الزواج في الفتى بتمام الثامنة عشرة من عمره، والفتاة في السابعة عشرة من عمرها. نلاحظ هنا التمييز في اكتمال الأهلية بين الرجل والمرأة. لكن في الوقت ذاته لم يمنع القانون ناقص الأهلية من الزواج وفق ما جاء في المادة 18 : 1 ـ إذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكماله الخامسة عشرة من عمره، أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشرة من عمرها . وطلبا الزواج ، يأذن به القاضي إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما .
2 ـ أذا كان الولي هو الأب أو الجد، اشترطت موافقته. هنا القاصر سواء كان ذكراً أو أنثى، وفي غيابهما يكون القاضي وليهما.غير أن القانون ينص على موافقة الولي على زواج الفتاة حتى الكبيرة وللأب فسخ عقد الزواج لعدم الكفاءة .
نتيجة: كل هذه العوامل المستقلة والمرتبطة بتزويج القاصرات مسؤولة عن استمرار هذه الظاهرة التي تجد تربتها الخصبة في العادات والتقاليد المتخلفة، غير أن قانون الأحوال الشخصية القائم في سوريا له دوراً كبيراً في حماية هذه الأعراف والتقاليد. مازال هذا القانون يعتمد على مصدر قدسي في وضع القوانين وتفسيرها ، على أساس من الفقه الإسلامي التقليدي ، الذي لم يستطع تفسير النص وفق منطق العصر وحاجاته، بل يعمل لتفسير النص الديني وفق نسق متخلف للسيطرة على المجتمع وبمنطق العقلية الذكورية لتكريس سيطرة الرجل على المرأة.
نشير هنا الى جمود القوانين السورية خلال حكم الاستبداد ومنها قوانين الأحوال الشخصية الذي تم وضعه منذ سنة 1949 ولم يتم تغيير مواده ، أما التعديلات الطفيفة التي جرت عليًه ، كان لها أثراً كمياً بسيطا لم يؤثر على المركز القانوني التابع للمرأة ولم يلغي التمييز ضد المرأة . وعلى الرغم من الضغوط الدولية ومطالبات المنظمات الحقوقية خاصة النسائية منها: فقد رفضت الحكومة السورية ، بداية التوقيع على "اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة سيدوا " وبقيت على رفضها، حتى عام 2002 ، عندما صدر المرسوم التشريعي رقم 333 حيث وقع النظام السوري على اتفاقية السيداو. لكن بعد أن وضع عديد من التحفظات وجرد الاتفاقية من معناها، حيث تحفظ على المادة 16 بند 1 فقرة ج د و ز التي تمنح المرأة حقوقاً مساوية للرجل في الزواج والطلاق والقوامة والوصاية وحقها في اختيار المهنة والوظيفة واسم الأسرة وتحديد سن أدنى للزواج والتسجيل الإلزامي للزواج. ذكرت هذا التحفظ بداية لصلته الوثيقة بموضوع الدراسة. كما تحفظ على المادة 15 الفقرة الرابعة التي تمنح المرأة حقاً مساوياً للرجل فيما يتعلق بالقوانين المتصلة بحركة الأشخاص و اختيار مكان السكن والإقامة. و أيضاً تحفظ على المادة الثانية من الاتفاقية التي تقضي: بتجسيد المساواة بين المرأة والرجل في الدساتير الوطنية والتشريعات والقوانين والحماية القانونية للمرأة من أي فعل تمييزي يصدر عن مؤسسة أو منظمة أو شخص، والعمل على تغيير القوانين والأنظمة والأعراف بما يتناسب مع ذلك. وبعد كل الأحداث التي عصفت في سوريا أتحفنا النظام بصدور المرسوم التشريعي رقم 230 بتاريخ 16 ـ 7 ـ 2017 القاضي " بإلغاء تحفظ الجمهورية العربية السورية على المادة الثانية من اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، وفق قيد بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. وهكذا وضع حجر عثرة أمام التغيير ، مع العلم أن النظام يملك من القدرة على فرض القوانين وتغييرها وفقاً لرغباته، لكن الاستبداد في الوقت ذاته يرفض كل تغيير لا يساهم في تقويته وحماية سلطته ليس الا، أما القوانين التي تساهم في تقوية وتعزيز دور الفئات المختلفة من المجتمع ، والتي تشجع على المطالبة في الحقوق وتعزيزها، وهو الذي ينتهكها في كل مناسبة ليس له مصلحة فيها، لأنها تخفف من سيطرته وتحكمه بالمجتمع.

.توصيات:
ـ 1مازال النازحون واللاجئون يعانون من الإهمال ونقص الرعاية والخدمات، كل ذلك يجعلهم عرضة لكل أنواع الانتهاكات والحرمان لا بد من أن تقديم الخدمات اللازمة للاجئين والنازحين من خدمات الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل وسائل ضرورية للحد من تزويج القاصرات.
2 ـ توفير الأمن في مخيمات اللجوء وقطع الطريق على عصابات الجنس وخطف النساء والتحرش بالنساء ومحاسبتهم على جرائمهم من الوسائل التي نحد من انتشار تزويج القاصرات.
3 ـ إلغاء القوانين التمييزية ضد المرأة ورفع التحفظات عن اتقافية سيداو من الوسائل الهامة للحد بل القضاء على زواج القاصرات.
4ـ الاهتمام بتأهيل الفتيات القاصرات سواء المتزوجات منهن أو غير المتزوجات وتعليمهم مهن تناسب ميولهن للانخراط في سوق العمل ليتمكنّ من إعالة أنفسهن .

المراجع :
1 ـ دراسة تحت عنوان حتى تفرق بيننا الشهادة. عن معهد الحوار الاستراتيجي والمركز الدولي لدراسة التطرف في جامعة كينجر كوليد في لندن.
2 ـ تقرير لمنظمة العفو الدولية تحت عنوان أريد مكانا أمناً ،عرضت فيه كاترين رمزي، الباحثة في شؤون النوع الاجتماعي بمنظمة العفو الدولية أوضاع اللاجئات السوريات في لبنان نهاية الشهر الأول من عام 2016. بتاريخ 25 يوليو 2015
3 ـ – تقرير ماهر الشوبكي في جريدة الحياة لاجئات سوريات قاصرات لـ "البيع" تحت ستار الزواج 7 كانون الثاني 2016.
4 ـ قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بتاريخ 17 ـ 9 ـ 1953.
5ـ اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق